علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )

89

كتاب المختارات في الطب

وعليه العضل ، والجلد خلق حريزاً لأنه يحتوي على عضو شريف ، وخلق واسعاً لتنبسط فيه الرئة ويجول فيه النسيم ، فأما الرئة نفسها فخلقت لجذب النسيم ولتمتلئ قصبتها المتفرقة فيها منه وكذلك جرمها ، وليكون للقلب بها وعاء يشتمل على نسيم معتدل يجذبه في كل وقت وليكون عتيداً كما أن العروق تخزن الدم ، ولأن الحيوان ربما اضطر إلى أن يتأخر عنه الاستنشاق أما لغوص بوقوع في الماء ، وأما لسبب آخر من شم نتن أو غيره مما يضطر فيه إلى حبس النفس فيحتاج القلب حينئذ إلى هواء عتيد يتصل به ، وخلق جرمها سخيفاً لينفذ فيها الهواء وليسهل اندفاع الفضل منها ولتكون هيأتها فراشاً ووطاء للقلب ، وطولت قصبتها لأجل الصوت وليطول مسلك الهواء فيه فلا يحجم على الصدر ببرده خاصة في الشتاء ، وخلقت من غضاريف لتكون اصلب ولتبقى مفتوحة ، ولم تستدر غضاريفها تمام الاستدارة ليبقى فيما بينها وبين المري جسم لين يندفع عند بلع الطعام ، وخلقت الغضاريف مفرقة يجمعها غشاء لينقبض وينبسط فيحصل لها بالغضاريف الصلابة والقوة وسهولة الانفتاح ، وبهذا الغشاء اللين الانطياع والمواطاة للحركة ، وملس باطنها ليحسن به الصوت ويقبل انحدار لنزلات وخروج ما ينفذ عنها ، وانقسمت القصبة إلى شعب كثيرة ليتفرق في الرئة وجاوزت في انقسامها الشريان الوريدي ليكتسب منه الروح والدم وليأخذ الشريان منها النسيم ، وجاورت الوريد الشرياني لتأخذ منه الغذاء ، واجتمعت رؤوس شعب القصبة وضاقت جداً لتأخذ الشرايين منها الهواء ولا يرشح من رؤوسها إليها دم ولو رشح لحدث نفث الدم ، وانقسمت الرئة في تجويف الصدر بجملتها إلى قسمين لما تعرفه من الفائدة في التزويج ، وجعل القسم الذي على الجانب الأيسر ذا شعبتين والذي يلي اليمين ذا ثلاث شعب لفائدتين ، إحداهما أن الشعبة الواحدة تكون وطاء للعروق العظيمة الحاملة للدم من الاجوف ، وهذه الشعبة قليلة المنفعة في التنفس والأخرى ليكون للفضاء من الجانب الأيمن شاغل بإزاء ما يشغل القلب من الجانب الأيسر ، وقسم الصدر بالحجاب المنصف للصدر ليكون لفضاء الصدر